فوزي آل سيف

67

من قصة الديانات والرسل

إلا أنه حدثت قضية مفصلية داخل المدينة في أحد الأيام سوف يقدر لها أن تغير الوضع العام تمامًا، ولهذا فقد أوردها القرآن الكريم بالرغم من أن القرآن لا يتعرض لتفاصيل القصص غير الضرورية، لكن هذه القضية ستشكل بداية مرحلة في حياة موسى عليه السلام ومن بعده في حياة بني اسرائيل؛ (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ).[200] والقصة واضحة؛ رأى موسى عليه السلام أحد أعوان فرعون يضطهد رجلاً من بني إسرائيل الذي استغاث بموسى فدفعه عنه بوكزه قضت على القبطي الفرعوني، فقال موسى عليه السلام هذا من عمل الشيطان! والسؤال هنا ما هو المشار إليه بأنه من عمل الشيطان؟ وهل يقصد موسى أن قتله ذلك القبطي هو من عمل الشيطان؟ وكيف لموسى أن يعمل عمل الشيطان خصوصا على القول بأنه في ذلك الوقت بعدما (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) كان نبيًا كما هو أحد الأقوال. وقد أجاب السيد الشريف المرتضى في كتابه تنزيه الأنبياء بما نصه:" (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في قتل موسى عليه السلام للقبطي وليس يخلو من أن يكون مستحقا للقتل أو غير مستحق، فإن كان مستحقا فلا معنى لندمه عليه السلام، وقوله: (هذا من عمل الشيطان) وقوله: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي)، وإن كان غير مستحق فهو عاص في قتله، وما بنا حاجة إلى أن نقول إن القتل لا يكون صغيرة لأنكم تنفون الصغير والكبير من المعاصي عنهم عليهم السلام. (الجواب): قلنا مما يجاب به عن هذا السؤال إن موسى عليه السلام لم يعتمد القتل ولا أراده، وإنما اجتاز فاستغاث به رجل من شيعته على رجل من عدوه بغى عليه وظلمه وقصد إلى قتله، فأراد موسى عليه السلام أن يخلصه من يده ويدفع عنه مكروهه، فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه، فكل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح ولا يستحق عليه العوض به، ولا فرق بين أن تكون المدافعة من الإنسان عن نفسه، وبين أن يكون عن غيره في هذا الباب والشرط في الأمرين أن يكون الضرر غير مقصود، وأن يكون القصد كله إلى دفع المكروه والمنع من وقوع الضرر. فإن أدى ذلك إلى ضرر فهو غير قبيح"[201]. وبعبارتنا فإن معنى (هذا من عمل الشيطان)، ان فعل ذلك القبطي الفرعوني في ظلمه للاسرائيلي وتعذيبه من غير وجه حق هو من عمل الشيطان وليس فعل نبي الله موسى من الشيطان، بل فعل نبي الله موسى عليه السلام هو الموقف الطبيعي، الذي يفرضه العقل السليم والتوجيهات الدينية من لزوم الدفاع عن المظلومين والمستضعفين (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)، فلم يكن نبي الله موسى عليه متعمداً في قتله وإنما وكزه ليمنع الظلم من هذا الإنسان، ولكن تلك انتهت بالموت.

--> 200 القصص: 14ـ15 201 الموسوي علي بن الحسين الشريف المرتضى:تنزيه الأنبياء 100